أحمد الشرباصي
6
موسوعة اخلاق القرآن
« وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ » . وقد ورد هذا النص في مقام الحديث عن اليتيم ورعاية ماله ، ومعناه أن من كان منكم غنيا متوليا لأمر يتيم ، فليعف عن الأكل من مال اليتيم ، وليطالب نفسه بذلك ، ويحملها على العفة في هذا المجال . ويشير القرآن إلى التعفف عن سؤال الغير عند الاحتياج فيقول في سورة البقرة : « لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ « 1 » يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » . أي اجعلوا ما تنفقونه وتتصدقون به للفقراء الذين حوصروا في الجهاد ، ولا يتمكنون من التكسب ، ويراهم من يجهل حالهم ، فلا يعرف أنهم محتاجون لأنهم يعفون أنفسهم عن ذل السؤال ، ولكن لو دققت النظر في أمرهم لعرفت دلائل تدل على احتياجهم ، وهم لا يلحون في السؤال ، فهم أولى من غيرهم بالإعطاء . ولقد رمز القرآن الكريم إلى العفة في القول ، بترك الألفاظ النابية ، والابتعاد عن أحاديث المجون والفجور ، حين قال عن عباد اللّه الأخيار : « وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ » . وحين قال : « إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » . وهكذا أراد اللّه تبارك وتعالى من عباده أن يتحلّوا بالعفة في كل مجال من مجالات الحياة ، فيعفوا في مجال الشهوة ، ويعفوا عن الحرام ، ويعفوا عن النظر الجامح ، ويعفوا عن التبرج الفاضح ، ويعفوا عن القول الجارح ، ويعفوا عن كل ما لا يجمل ولا يليق . ولقد جاء في سنة الرسول عليه الصلاة والسّلام : « من يستعفف يعفه اللّه »
--> ( 1 ) أي سيرا فيها للاكتساب .